الشيخ محمد علي السايس
27
تفسير آيات الأحكام
أن معجزات الأنبياء عليهم السلام هي على حقائقها ، وبواطنها كظواهرها ، وكلّما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها . ولو جهد الخلق كلّهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها ، ظهر عجزهم عنها . ومخاريق السحرة وتخييلاتهم إنما هي ضرب من الحيلة والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها ، وما يظهر منها على غير حقيقتها ، يعرف ذلك بالتأمل والبحث ، ومن شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره ، ويأتي بمثل ما أظهره سواه « 1 » ا . ه . ولنرجع إلى تفسير الآية : وَاتَّبَعُوا أي اليهود ، قيل : الذين كانوا في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل : الذين في زمن سليمان عليه السلام ، وقيل : أعم ، لأنّ متبعي السحر من اليهود لم يزالوا من عهد سليمان إلى أن بعث اللّه نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . فأخبر اللّه عن اليهود أنهم نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ أي تقرأ وتخبر عن ملك سليمان ، قيل : على عهده ، وقيل تكذب عليه ، لأن الخبر إذا كان كذبا قيل : تلا عليه ، وإن كان صادقا قيل : تلا عنه . وكان كذبهم عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أنهم كانوا يزعمون أنّ سليمان كان ساحرا ، وأنه ما سخّرت له الجن إلا بسحره . قال محمد بن إسحاق : قال بعض أحبار اليهود : ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبيا ؟ واللّه ما كان إلا ساحرا ! فأنزل اللّه تعالى : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ . والمراد بالشياطين شياطين الإنس والجن ، وقد برأ اللّه سليمان مما قذفوه به من السحر . فقال : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا بنسبة السحر إلى سليمان على وجه الكذب وجحدهم نبوته ، ثم وصف الشياطين بقوله : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ على وجه الإضرار ، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ . قيل : هو عطف على ما تتلو الشياطين ، أي اتبعوا هذا وذاك . وقد علم من هذا أن السحر أنزل على الملكين ببابل ، وقد أنزله اللّه عليهما ليعرّفاه الناس ، فيتحرّزوا من ضرره ، لأن تعريف الشر حسن ، ومعه يصحّ الاحتراز . وقد كان أهل بابل قوما صابئين ، يعبدون الكواكب ، ويسمّونها آلهة ، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها ، وكانت علومهم الحيل والنيرنجيات وأحكام النجوم ، وكانت لهم رقىّ بالنبطية ،
--> ( 1 ) أحكام القرآن للجصاص ( 1 / 49 - 50 ) .